السيد حيدر الآملي
151
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وقوله : « كلّ ميسر لما خلق له » ( 85 ) . وكذلك قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوه ُ فِي الزُّبُرِ [ القمر : 52 ] . وقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] . وليس مرادنا بهذا إثبات مسألة الجبر ، ولا إثبات قول من قال : إنّ كلّ ما علم اللَّه تعالى وقوعه يجب وقوعه ، وكلّ ما علم اللَّه تعالى بعدم وقوعه يستحيل وقوعه ، بل مرادنا أنّه لا يقع شيء في الوجود خلاف علم اللَّه تعالى موافقا كان ذلك الشيء أو مخالفا ، وهذا شمّة من بحر سرّ القدر المنهيّ « عن كشف » أسراره ، وإن سبق من سرّ القدر أكثر من ذلك في المقدّمات ، ولهذا مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام ما شرع في جواب سرّ القدر إذا سئل ، وبل منعهم عن ذلك ، وهو قوله : « ألا إنّ القدر سرّ من سرّ ( 86 ) اللَّه عزّ وجلّ ، وستر من ستر اللَّه ، وحرز
--> ( 85 ) قوله : كل ميسر لما خلق له . راجع في مصادره الجزء الأوّل من تفسير « المحيط الأعظم » ص 304 تعليقنا فيه الرقم 64 ، وقد مرّ أيضا ذكره في التعليق الرقم 16 من هذا الجزء . ( 86 ) قوله : ألا إنّ القدر سرّ . الحديث . رواه الصدوق في كتابه « التوحيد » باب القضاء والقدر ص 383 الحديث 32 بإسناده عن الأصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين عليه آلاف التحيّة والسلام . وعن أمير المؤمنين أيضا في نهج البلاغة ، الحكمة الرقم 287 : وسئل عن القدر ، فقال : « طريق مظلم فلا تسلكوه ، وبحر عميق فلا تلجوه ، وسرّ اللَّه فلا تتكلَّفوه » . وروي ابن أبي جمهور الأحسائي في « عوالي اللئالي » ج 4 ص 108 الحديث 161 ، فقال : وروي عن عليّ عليه السّلام وقد سئل عن القدر ؟ فقال : « سرّ عظيم فلا تكشفه » . واخرج السيوطي في « الجامع الصغير » ج 1 ص 95 الرقم 615 ، عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : « إذا ذكر القدر فأمسكوا » . وروي الصدوق في « التوحيد » باب التوحيد ونفي التشبيه الحديث 9 ص 47 بإسناده عن الإمام الرضا عليه السّلام قال : « الخلق إلى ما علم ( الربّ ) منقادون ، وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون ، ولا يعملون خلاف ما علم منهم ، ولا غيره يريدون » . الحديث . عنه البحار ج 3 ص 297 . وروي المجلسي في البحار ج 5 ص 123 باب القضاء والقدر الحديث 70 عن « فقه الرضا » : « سئل أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه عن القدر فقيل له : أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين ، فقال : « سرّ اللَّه فلا تفتّشوه » ، فقيل له الثاني : أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين ، قال : « بحر عميق فلا تلحقوه » ، فقيل له : أنبئنا عن القدر ، فقال : ما يفتح اللَّه للنّاس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له » [ فاطر : 2 ] . وروى الصدوق في « التوحيد » باب القضاء والقدر الحديث 3 ص 365 بإسناده عن عبد الملك بن عنترة الشيباني ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : « يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال عليه السّلام : طريق مظلم فلا تسلكه ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال عليه السّلام : سرّ اللَّه فلا تكلَّفه ( فلا تتكلَّفه ) ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : أمّا إذا أبيت فإنّي سائلك أخبرني أكانت رحمة اللَّه للعباد قبل أعمال العباد أم كانت أعمال العباد قبل رحمة اللَّه ؟ قال : فقال له الرجل : بل كانت رحمة اللَّه للعباد قبل أعمال العباد ، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : قوموا فسلَّموا على أخيكم فقد أسلم وقد كان كافرا ، قال : وأنطلق الرجل غير بعيد ، ثمّ أنصرف إليه فقال له : يا أمير المؤمنين أبالمشيئة الأولى نقوم ونقعد ، ونقبض ونبسط ؟ فقال لها أمير المؤمنين عليه السّلام : وإنّك لبعد ( لبعيد ) في المشيئة ، أما إنّي سائلك عن ثلاث لا يجعل اللَّه لك في شيء منها مخرجا : أخبرني أخلق اللَّه العباد كما شاء أو كما شاؤوا ؟ فقال : كما شاء ، قال عليه السّلام : فخلق اللَّه العباد لما شاء أو لما شاؤوا ؟ فقال : لما شاء ، قال عليه السّلام : يأتونه يوم القيامة كما شاء أو كما شاؤوا ؟ قال : يأتونه كما شاء ، قال عليه السّلام : قم فليس إليك من المشيئة شيء » . عنه البحار ج 5 باب القضاء والقدر الحديث 35 ص 110 . أقول هناك في « البحار » للعلَّامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان تعليق على كلام المجلسي ذيل الحديث ، نذكر ما بيّنه العلامة هنا مزيدا للفائدة ونذكر أيضا بعده كلام من صدر المتألهين الشيرازي . وامّا كلام العلامة هكذا : « كل واحد من آحاد الخلق محدود بحدود يتعيّن بها في وجوده كالطول والعرض واللون وسائر الأوصاف والروابط الَّتي يرتبط بغيره بواسطتها ككون الإنسان ابن فلان وأخا فلان وأبا فلان وفي زمان كذا ومكان كذا وهكذا . وإذا أمعنت النظر في ذلك وجدت أن جميع أسباب وجود الشيء ذوات دخل في حدود وجوده سائر ما يتعلق بوجوده ، وأنّها هي الَّتي يتقدّر بها الشيء ، غير أنّ كلَّا من الأسباب أيضا يتقدّر بما يتقدّمه من المقدّرات ، ولا محالة تنتهي إليه سبحانه فعنده تعالى حقيقة ما يتقدّر به كلّ شيء ويتحدّد به كلّ أمر . والأشياء إنّما ترتبط به تعالى من جهة صفاته الفعليّة الَّتي بها ينعم عليها ويقيم صلبها ويدبّر أمرها كالرحمة والرزق والهداية والإحياء والحفظ والخلق وغيرها وما يقابلها فللَّه سبحانه من جهة صفات فعله دخل في كل شيء مخلوق وما يتعلَّق به من أثر وفعل إذ لا معنى لإثبات صفة فيه تعالى متعلقة بالأشياء وهي لا تتعلَّق بها . ولذلك فإنّه عليه السّلام سأل الرجل عن تقدّم صفة الرحمة على الأعمال ، ولا معنى لتقدّمها مع عدم ارتباطها بها وتأثيرها فيها فقد نظم اللَّه الوجود بحيث تجري فيه الرحمة والهداية والمثوبة والمغفرة ، وكذا ما يقابلها ، ولا يوجب ذلك بطلان الاختيار في الأفعال فان تحقق الاختيار نفسه مقدمة من مقدمات تحقق الأمر المقدّر ، إذ لولا الاختيار لم يتحقق طاعة ولا معصية ، فلم يتحقق ثواب ولا عقاب ، ولا أمر ولا نهي ، ولا بعث ولا تبليغ . ومن هنا يظهر وجه تمسّك الإمام عليه السّلام بسبق صفة الرحمة على العمل ، ثمّ بيانه عليه السّلام أنّ للَّه مشيّة في كلّ شيء وأنّها لا تلغوا ولا تغلبه مشية العبد فالفعل لا يخطئ مشيئته تعالى ولا يوجب ذلك بطلان تأثير مشيئة العبد فإنّ مشيئة العبد إحدى مقدّمات تحقق ما تعلَّقت به مشيئته تعالى ، فإن شاء الفعل الَّذي يوجد بمشيئة العبد فلا بدّ لمشيئة من التحقق والتأثير ، فافهم ذلك . وهذه الرواية الشريفة على ارتفاع مكانتها ولطف مضمونها يتّضح به جميع ما ورد في الباب من مختلف الروايات ، وكذا الآيات المختلفة من غير حاجة إلى أخذ بعض وتأويل بغض آخر » انتهى كلام العلَّامة . وأمّا كلام صدر المتألهين ، في تفسير سورة السجدة الآية 21 ، فهو ما يلي : « وأمّا ما ألهمني اللَّه به وقذف في قلبي من نوره ، وهو أنّ لعلم اللَّه تعالى وإرادته مراتب متفاوتة في النزول ، فكما أنّ لعلمه مرتبة كماليّة هي نفس ذاته بذاته ، إذ بذاته يعلم جميع الأشياء الكلَّية والجزئية ، وهذا العلم ليس متكثرا بل علم واحد إجمالي ، هو واجب بالذات وهو مرآة كل الحقائق ومجلى جميع الرقائق ، وبعد ذلك مرتبة تفصيل المعقولات الكلية ، وهو مرتبة القضاء الإلهي وهي مفاتيح الغيب لقوله : * ( وَعِنْدَه ُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) * [ الانعام : 59 ] . وهي أيضا خزائن الرحمة لقوله تعالى : * ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ُ ) * [ الحجر : 21 ] . ثمّ بعده مرتبة الجزئيّات والشخصيّات المقدّرة بأوقاتها وأزمنتها المثبتة بهيئاتها في كتاب لا يجليها لوقتها إلَّا هو ، وهذه المرتبة « عالم قدر » لقوله : * ( وَما نُنَزِّلُه ُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * [ الحجر : 21 ] . وهذا هو « كتاب المحو والإثبات » كما أنّ السابق « اللوح المحفوظ » لقوله : * ( يَمْحُوا اللَّه ُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَه ُ أُمُّ الْكِتابِ ) * [ الرعد : 39 ] . وبعد ذلك مرتبة وجودات المعلومات في موادّها الخارجيّة الجزئيّة المكتوبة بمداد الهيولى الَّتي تسمّى ب « البحر المسجور » و « الكتاب المبين » كما أشير في قوله : * ( لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي ) * [ الكهف : 109 ] . وفي قوله : * ( لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * [ الانعام : 59 ] . وهاتان المرتبتان قابلتان للتغير ، وبهاتين الأخيرتين يتّضح ( يسترجع ) عروض التغيّر في علمه تعالى بالحوادث من حيث هو معلوم ، لا بما هو علم ، وإن كانا أمرا واحدا بالذات ، وهذا ممّا لا يعلمه إلَّا المحقّقون المحقّون ، المتحقّقون بالشهود . راجع أيضا الجزء الثاني من تفسير « المحيط الأعظم » ص 239 التعليق 97 .